ابن رشد
107
تهافت التهافت
قال أبو حامد مجيبا للفلاسفة : والجواب : أن الفعل يتعلق بالفاعل من حيث حدوثه لا من حيث عدمه السابق ، ولا من حيث كونه موجودا فقط ، فإنه لا يتعلق به في ثاني حال الحدوث عندنا وهو موجود بل يتعلق به في حال حدوثه من حيث أنه حدوث وخروج من العدم إلى الوجود ، فإن نفى منه معنى الحدوث لم يعقل كونه فعلا ولا تعلقه بالفاعل . وقولكم أن كونه حادثا يرجع إلى كونه مسبوقا بالعدم وكونه مسبوقا بالعدم ليس من فعل الفاعل وجعل الجاعل فهو كذلك ولكنه شرط في كون الوجود فعل الفاعل أعني كونه مسبوقا بالعدم فالوجود الذي ليس مسبوقا بعدم بل هو دائم لا يصلح لأن يكون فعلا لفاعل وليس كل ما يشترط في كون الفعل فعلا ينبغي أن يكون بفعل الفاعل فإن ذات الفاعل وقدرته وإرادته وعلمه شرط في كونه فاعلا وليس ذلك من أثر الفاعل ولكن لا يعقل فعل إلا من موجود فكان وجود الفاعل شرطا وإرادته وقدرته وعلمه ليكون فاعلا وإن لم يكن من أثر الفاعل . قلت : هذا الكلام كله صحيح فإن فعل الفاعل إنما يتعلق بالمفعول من حيث هو متحرك والحركة من الوجود الذي بالقوة إلى الوجود الذي بالفعل هي التي تسمى حدوثا ، وكما قال العدم هو شرط من شروط وجود الحركة عن المحرك وليس ما كان شرطا في فعل الفاعل يلزم إذا لم يتعلق به فعل الفاعل أن يتعلق بضده كما ألزم ابن سينا ، لكن الفلاسفة تزعم أن من الموجودات ما فصولها الجوهرية في الحركة كالرياح وغير ذلك ، وإنما السماوات وما دونها هي من هذا الجنس من الموجودات التي وجودها في الحركة ، وإذا كان ذلك كذلك فهي في حدوث دائم لم يزل ولا يزال ، وعلى هذا فكما أن الموجود الأزلي أحق بالوجود من الغير الأزلي كذلك ما كان حدوثه أزليا أولى باسم الحادث مما حدوثه في وقت ما . ولولا كون العالم بهذه الصفة ؛ أعني أن جوهره في الحركة لم يحتج العالم بعد وجوده إلى البارئ سبحانه كما لا يحتاج البيت إلى وجود البناء بعد تمامه والفراغ منه إلا لو كان العالم من باب المضاف كما رام ابن سينا أن يبينه في القول المتقدم ، وقد قلنا نحن إن ما رام من ذلك هو صادق على صور الأجرام السماوية . وإن كان هذا هكذا فالعالم مفتقر إلى حضور الفاعل له في حال وجوده من جهة ما هو فاعل بالوجهين جميعا ؛ أعني لكون جوهر العالم كائنا في الحركة ، وكون صورته التي بها قوامه ووجوده من طبيعة المضاف لا من طبيعة الكيف ؛ أعني الهيئات والملكات المعدودة في باب الكيف ، فإن كل ما كانت صورته داخلة في هذا الجنس ومعدودة فيه فهو إذا وجد وفرغ وجوده